محمود حمدي زقزوق
56
موسوعة التصوف الاسلامي
للّه ، ويكون اللّه ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، فلا يواد من حاد اللّه ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه : وعادى الذي عادى من الناس كلهم * جميعا ولو كان الحبيب المصافيا وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه ، وحظوظها بمراضى ربه تعالى وحقوقه . والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا . وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء ، فيفنى عن تأله ما سواه علما وإقرارا وتعبدا ، ويبقى بتألهه وحده ، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد الذي اتفق عليه المرسلون - صلوات اللّه عليهم - وأنزلت به الكتب ، وخلقت لأجله الخليقة ، وشرعت له الشرائع ، وقامت عليه سوق الجنة ، وأسس عليه الخلق والأمر . . . إلى أن قال : وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإرادة ، والمعصوم من عصمه اللّه ، وباللّه المستعان والتوفيق والعصمة " 15 وقال في موضع آخر : " وإن كان مشمرا للفناء العالي ، وهو الفناء عن إرادة السوى لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني ، بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد ، وهذه حقيقة المحبة الخالصة ، وفيها يكون الاتحاد الصحيح ، وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة " 16 . ورغم أن ابن تيمية مخاصم للصوفية وشديد العداوة لهم فإنه يبرئ ساحتهم من تهمة القول بالاتحاد ، ويؤول كلامهم تأويلا صحيحا سليما . أما تبرئته لساحتهم فقد قال في فتاويه : " ليس أحد من أهل المعرفة باللّه يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به ، وإن سمع شئ من ذلك فتقوّل على بعض أكابر الشيوخ ، فكثير منه مكذوب اختلقه الأفاكون ، من الاتحادية المباحية الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة " 17 . وقال أيضا : " كل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ؛ من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات ، وليس في مخلوقاته شئ من ذاته ، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته ، وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث ، وتمييز الخالق عن المخلوق ، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا " 18 . وأما تأويله لكلامهم فقد قال في